السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 70

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

بدلًا عن التفكير في تلك القواعد ؟ وهذا يعني : أنّ الإنسان كلّما كان أقرب إلى عصر التشريع وأكثر امتزاجاً بالنصوص كان أقلّ حاجة إلى التفكير في القواعد العامة والعناصر المشتركة ؛ لأنّ استنباط الحكم الشرعي يتمّ عندئذٍ بطريقةٍ ميسّرةٍ دون أن يواجه الفقيه ثغراتٍ عديدةً ليفكِّر في ملئها عن طريق العناصر الأصولية . وأمّا إذا ابتعد الفقيه عن عصر النصّ واضطرّ إلى الاعتماد على التأريخ والمؤرّخين والرواة والمحدّثين في نقل النصوص فسوف يواجه ثغراتٍ كبيرةً وفجواتٍ تضطرّه إلى التفكير في وضع القواعد لملئها ، فهل صدر النصّ المرويّ من المعصوم حقيقةً أو كَذِبَ الراوي أو أخطأ في نقله ؟ وما ذا يريد المعصوم بهذا النصّ ؟ هل يريد المعنى الذي أفهمه فعلًا من النصّ حين أقرأه أو معنى آخر كان له ما يوضّحه من الظروف والملابسات التي عاشها النصّ ولم نعِشْها معه ؟ وما ذا يصنع الفقيه حيث يعجز عن الحصول على نصٍّ في المسألة ؟ وهكذا يصبح الإنسان بحاجةٍ إلى عنصرٍ كحجّية الخبر ، أو حجّية الظهور العرفي ، أو غيرهما من القواعد الأصولية . وهذا هو ما نقصده من القول بأنّ الحاجة إلى علم الأصول حاجة تأريخية ترتبط بمدى ابتعاد عملية الاستنباط عن عصر التشريع وانفصالها عن ظروف النصوص الشرعية وملابساتها ؛ لأنّ الفاصل الزمني عن ذلك الظرف هو الذي يخلق الثغرات والفجوات في عملية الاستنباط . وهذه الثغرات هي التي توجِد الحاجةَ الملحَّةَ إلى علم الأصول والقواعد الأصولية . وارتباط الحاجة إلى علم الأصول بتلك الثغرات ممّا أدركه الرّوّاد الأوائل لهذا العلم ، فقد كتب السيد الجليل حمزة بن عليّ بن زهرة الحسيني الحلبي - المتوفّى سنة 585 ه - في القسم الأول من كتابه الغنية يقول : « لمّا كان الكلام في